الجاحظ
54
البخلاء
العذب علينا مؤونة « 1 » . فكنّا نمزج منه للحمار فاعتلّ منه ، وانتفض علينا من أجله ؛ فصرنا ، بعد ذلك ، نسقيه العذب صرفا . وكنت أنا والنعجة « 2 » كثيرا ما نغتسل بالعذب مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار . فكان ذلك الماء العذب الصافي يذهب باطلا . ثم انفتح لي فيه باب من الإصلاح ، فعمدت إلى ذلك المتوضأ ، فجعلت في ناحية منه حفرة ، وصهرجتها « 3 » ، وملَّستها ، حتى صارت كأنها صخرة منقورة ، وصوّبت إليها المسيل ، فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء إليها صافيا ، لم يخالطه شيء . ولولا التعبّد لكان جلد المتغوّط « 4 » أحقّ بالنّتن ، من جلد الجنب « 5 » ، فمقادير طيب الجلود واحدة ، والماء على حاله . والحمار أيضا لا تقزّز « 6 » له من ماء الجنابة ، وليس علينا حرج في سقيه منه . وما علينا أن كتابا حرّمه ، ولا سنّة نهت عنه ، فربحنا هذه منذ أيام . وأسقطنا مؤونة عن النفس والمال . قال القوم : هذا بتوفيق اللَّه ، ومنّه .
--> « 1 » مؤونة : مشقة ، عذاب . « 2 » النعجة : « كنت أنا والنعجة » دلالة واضحة على روح الدعابة عند الجاحظ . وهو يرمي من خلال ذلك إلى تحقير صاحب ماء البئر الأجاج والنيل منه ، وجعله بمنزلة الحيوان . ويستبعد قصده امرأته ، لأن سياق الاقصوصة هنا لا يجعل لزوجته مكانا أو علاقة في ما يروى . أضف إلى ذلك ان المرأة في العصر العباسي كانت تتمتع بحرية وبمكانة اجتماعيتين ؛ الأمر الذي ينفي إهانة المرأة في هذا المقام « 3 » صهرجتها : طليتها بالصاروج ؛ اي بالكلس . « 4 » المتغوّط القاضي حاجته . « 5 » الجنب : الذي اصابته الجنابة ؛ اي النجاسة . « 6 » تقزّز : تجنّبه وابتعد عنه .